Skip to content

شهداء حمود: سِيرٌ انتهت قبل الأوان

تاريخ النشر: أكتوبر 27, 2026 11:28 ص
WhatsApp Image 2026-10-25 at 2.33.42 PM

نقلا عن موقع حبر

قبل الجريمة التي وقعت في قرية حمود، لم يعرف معظم الناس أيًا من الشهداء، لكن أسماءهم اليوم باتت مألوفة لدى كثيرين ممن تناقلوا قصصهم. في هذا التقرير لمحة من جوانب شخصياتهم التي حدثنا عنها أقارب الشهداء وأصدقاؤهم.

25 تشرين الأول 2026

فيما كانت قرية حمود تدفن شهداء الأردن التسعة الذين قضوا إثر الهجوم على كنيستها، تعالت وسط الصلوات صيحات الأهالي المكلومين حينًا، والزغاريد أحيانًا. وحولهم، كان حشد من آلاف المعزين يشارك في التشييع عصر الأحد، في حضور وفود رسمية وشعبية.

ما تزال مشاعر الصدمة تهيمن على الكثيرين في حمود، بمحافظة الكرك، وفي الأردن عمومًا، بعد الهجوم الذي فتح فيه ثلاثة إرهابيين النار في باحة كنيسة القديس جورجيوس للروم الأرثوذكس، على المشاركين في جنازة لسيدة من القرية يوم الجمعة، ليقتلوا تسعة منهم، ويصيبوا أربعين. 

بين آلاف المشيعين في حمود، قد لا تكون الغالبية عرفت أيًا من الشهداء من قبل. لكن منذ وقوع الجريمة، باتت أسماء الشهداء مألوفة لدى معظم الأردنيين الذين تناقلوا قصصهم، في محاولة لإبقاء ذكراهم حية. تحدثنا إلى عدد من أقارب الشهداء وأصدقائهم وزملائهم، ليرووا لنا جوانب من شخصياتهم التي عاشوا معها وسيرهم التي طويت قبل الأوان.

عاصم إميل البرقان

يستعيد زملاء عاصم (61 عامًا) اليوم ذكرياتهم معه، بدءًا من ارتياده مدرسة القصر الثانوية في الكرك ثم سفره إلى بولندا مطلع التسعينيات للحصول على البكالوريوس والماجستير والدكتوراه في العلوم السياسية والعلاقات الدولية من جامعة وارسو. هناك تزوّج، وحصل على الجنسية البولندية وتحدّث بلسان أهلها قبل أن ينجب طفليه: دانيال الذي يدرس اليوم في إحدى جامعات بولندا، وداريا التي أكملت درجة الماجستير في الصيدلة من الجامعة الهاشمية.

لم تُغرِ بولندا عاصم للبقاء فيها، رغم أنه وظف لغتها لنقل هموم العروبة وقضية فلسطين عبر القنوات الفضائية البولندية. لذلك، عاد إلى الأردن مطلع الألفينات واستقرّ في عمان، لكنه ظلّ زائرًا مخلصًا لقرية حمود في الكرك حيث يعيش أقاربه. ومنذ أيلول 2015، عمل محاضرًا متفرغًا في كلية الآداب بالجامعة الهاشمية، بعد أن درّس في الجامعة الأردنية وجامعة الأميرة سمية للتكنولوجيا وجامعة مؤتة.

ارتبط اسم الدكتور عاصم بذاكرة راما العموش (25 عامًا) منذ يومها الأول في قسم العلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية في الجامعة الهاشمية، إذ درّسها مواد التخصص التأسيسية مثل مبادئ العلوم السياسية ومبادئ العلاقات الدولية، وكان هذا الاستهلال أفضل ما يمكن أن يحصل لطالب في عامه الجامعي الأول، فيجد أستاذًا داعمًا يفتح مكتبه لمساعدة الطلبة على حل مشاكلهم، ويتوسط لهم لدى المحاضرين الآخرين، ويشجعهم على التفوق في تخصصهم.

وبتشجيع منه، تقدمت راما لدراسة الماجستير في التخصص، وهي اليوم لا تحتمل فكرة المرور بمكتبه فارغًا، هو الذي كان صديقًا لطلبته. في آخر يوم دوام له، الخميس الماضي، كان الدكتور عايد الخوالدة برفقته في المكتب حيث قدّم عاصم التمر للطلبة، يتذكر الخوالدة كيف مازحته إحدى الطالبات حينها قائلة: «يا أستاذ التمر بتقدم في العزا»، ليرد عليها عاصم: «وللشهداء يوزع التمر أيضًا».

فادي عاصم الهلسا

أقل من ثلاثة أشهر مضت على حفل تخريج فادي (23 عامًا) من تخصص طب الأسنان في جامعة الإسكندرية بمصر، وقد عاد إلى قريته بعد خمس سنوات قضاها بعيدًا عن أهله، وأقام قبل أسبوع حفلًا عائليًا حضره زملاؤه الذين عادوا معه من مصر، إلى جانب أصدقاء رافقوه في مدارس الكرك. كان باسل مَساعدة أحد المهنئين، وهو يعرفه منذ 17 عامًا إذ جمعتهما مدرسة الفردوس في المرحلة الابتدائية، ثم مدرسة اللاتين في المرحلة الثانوية، فضلًا عن الصداقة وجيرة الحارة الصغيرة في قرية الوسية بالكرك.

كان باسل بمنزلة الأخ لفادي، خصوصًا أن الأخير كان الابن الوحيد بين شقيقاته الثلاث، وقد توطدت صداقتهما خارج المدرسة فكانا يقضيان العطل الصيفية متنقليْن في باصات الكرك إلى المقاهي والأندية الرياضية والمطاعم في المنطقة. ولم يتفارق الاثنان حتى الثانوية العامة حين حصل فادي على معدل 88 وقرر التوجه لدراسة الطب في مصر.

وقد حافظ فادي على صداقاته القديمة عبر مجموعة على ماسنجر ضمّت أصدقاء الطفولة من المدرسة، ورغم أن كلًا منهم سلك مسارًا مختلفًا، إلا أنهم ظلوا يتواصلون أسبوعيًا للاطمئنان والضحك وتبادل الأخبار. وإن كانت دراسته في مصر قد أبعدته عن لقاء الأصدقاء كما اعتاد، باستثناء الزيارات السنوية للأردن، فقد وجد في الإسكندرية أصدقاء إضافيين أصبحوا سندًا له في الغربة.

من بينهم زيد الرفوع الذي تعرّف إلى فادي من خلال المواد والعيادات المشتركة بين طلبة طب الأسنان في جامعة الإسكندرية، وسرعان ما أصبحا صديقين مقربين يترافقان في الدراسة ولعب الشدة وحضور مباريات كرة القدم، وقد قرّبت بينهما اللهجة المشتركة لأبناء الطفيلة والكرك. يتذكر زيد كيف كان فادي حريصًا على البقاء بجانبه ممتنعًا عن المغادرة إلى سكنه عندما كان يشعر بحزن صديقه أو مرضه أو حتى قلقه حول الضغط الدراسي لامتحانات التخصص. أما عن طموحات فادي بعد التخرج، فيقول باسل إن فادي كان مثل كثير من الخريجين الشباب يتطلّع للعمل في الخدمات الطبية الملكية، وشراء سيارة مرسيدس تحمل لوحة أرقام عليها تاريخ ميلاده.

مروان خليل خيطان

منذ ولادته عام 1953 لم يغادر مروان قرية حمود مطوّلًا إلا إلى وجهتين: الأولى زائرًا للاتحاد السوفييتي ضمن مشاركته في مهرجان اتحاد الشباب العالمي عام 1985، والثانية معتقلًا لثلاث سنوات في سجن الجفر خلال الثمانينيات، وكلتا المحطتين تحكيان شيئًا واحدًا عنه: أنه كان رجل سياسة.

درس مروان في مدارس القرية وحصل على الدبلوم في تخصص المساحة، لكنه فُصل من أول وظيفة له في أحد البنوك بسبب نشاطه السياسي. وقد تعلّق مروان بالفكر الشيوعي في أوائل العشرينات من عمره، وسرعان ما أصبح من نشطاء الحزب وقياداته في الكرك. يقول خالد البرقان إن خاله مروان كان جزءًا من الوعي السياسي لأبناء قرية حمود التي أُطلق عليها لقب «موسكو الحمراء» لكثرة انتماء شبانها إلى الحزب الشيوعي.

في السبعينيات، ترشح مروان لانتخابات بلدية الكرك وخسرها، لكن هذه الخسارة كانت بالنسبة إليه أقرب إلى الفوز، ليس لفارق الصوتين فحسب، بل لأنه خاض الانتخابات مستندًا لبرنامج سياسي كان مقتنعًا به. واصل مروان نشاطه الحزبي، وتدرّج في مناصبه حتى انتخب عضوًا في اللجنة المركزية خلال المؤتمر الأخير للحزب قبل عامين. 

بعد فصله من البنك واعتقاله، ظل مروان عاطلًا عن العمل لفترة طويلة ولم يتمكن من العودة إليه إلّا بعد إلغاء الأحكام العرفية عام 1989، وقد تنقّل بعدها بين وظائف عدة: موظفًا في بنك البترا، ومحاسبًا في نقابة المهندسين الأردنيين، ومسّاحًا لشركة تنفذ مشروعًا على الطريق الصحراوي، إلى أن عُيّن عام 1996 في مديرية الزراعة بمنطقة القصر.

ظلَّ مروان ملتزمًا بالعمل السياسي بعد زواجه منتصف الثمانينيات وإنجابه أبناءه الثلاثة: نصار ومعتز ومحار. وحين تقاعد من وزارة الزراعة في الألفينات، تفرّغ للعناية ببستان صغير يزرع فيه الزيتون ويربّي بعض الأغنام ويستضيف فيه الأصدقاء صيفًا. لازم خالد مروان في مختلف محطات حياته، وتعلّم منه كل شيء، وشاركه انتماءه الحزبي، واليوم بعد استشهاده يقول: «قد ما تأثرت فيه وتقمّصت شخصيته، بحس إني فقدت جزء مني».

علاء خليل المصاروة 

ردّد كثير من زملاء علاء وجيرانه وأقاربه جملة واحدة عنه: «ما بتذكر عمره عمل مشكلة». كان علاء (55 عامًا) رجلًا سمْحًا ملتزمًا بعمله وعلاقاته الاجتماعية. نشأ في مدينة الكرك ودرس في مدارسها، وتخرّج من إحدى كليات المجتمع، قبل أن يتنقّل بين عدة أعمال تجارية، كان آخرها سوبر ماركت في المدينة يفتحه من الصباح الباكر ويعود منه آخر النهار إلى منزله، حيث ينتظر ابنتيه فرح ورند وابنه مجد، ويعتني بوالدته التي تسكن أحد طوابق المنزل نفسه.

يقول أحد أقربائه إن علاء كان هادئًا وودودًا مع الناس، ولذلك كان محبوبًا من كل سكان المنطقة حتى إن بعضهم كانوا يقطعون مسافات طويلة ليشتروا من محلّه تحديدًا. وبعد إغلاق هذا المحل، عمل بين 2018 و2024 مندوب مبيعات في إحدى الشركات، وهناك تعرّف إلى صديقه أحمد القرالة، الذي تحولت علاقته بعلاء من الزمالة إلى الصداقة رغم إقامة القرالة بعيدًا عنه في لواء عي.

يتذكر القرالة الساعات الطويلة التي كانا يقضيانها في معرض المبيعات يناقشان شؤون العمل، والظروف المفاجئة التي كانت تدفع علاء للتغيب ساعات عن العمل فيغطيها عنه علاء دون تردد. يقول القرالة إن «أبو مجد»، كما كان يُحب أن ينادى، كان رغم هدوئه واسع العلاقات ولا يتوانى عن مشاركة زملائه المسلمين والمسيحيين مناسباتهم الاجتماعية، ولذلك «ما كان غريب عليه يكون في الجنازة اللي استشهد فيها».

محمد يوسف القسوس 

قد لا يبدو مألوفًا أن يحمل مسيحيّ اسم محمد، لكن يوسف القسوس، والد محمد، اختار هذا الاسم عن قصدٍ تأثرًا بأفكار القومية العربية، وقد سمّى أولاده الآخرين عمر وجعفر وخالد وقنديل، وبناته رشا وصفاء ورنا. ولد محمد عام 1955 في الزرقاء، وتخرج من تخصص طب الأسنان في جامعة ياش في رومانيا عام 1982، مقتفيًا أثر والده الذي كان طبيب أسنان أيضًا.

بعد تخرجه، واصل محمد مسيرة والده وافتتح عيادة خاصة في الزرقاء، كانت أشبه بمساحة شعبية تخدم سكان المنطقة الذين أحبّوه لتعامله معهم ومراعاته لظروفهم واستعداده لمساعدتهم: «ما كان في حد بشارع بغداد ما بعرفه، الكل يتعالج عنده»، يقول سعيد عويس، صديق محمد منذ التسعينيات.

امتدّ شغف محمد بالمهنة إلى أخيه عمر، حيث أقنعه بترك دراسة الهندسة والتحوّل إلى طب الأسنان، ويقول عمر إنه لم يندم على قراره، وقد أعجبه المجال الذي تخرّج منه بعد أخيه بعد فترة قصيرة، خصوصًا أن محمد قد دعمه أيضًا ليفتح عيادته الخاصة. وقد انسحب تأثير محمد على شقيقته، الدكتورة رشا التي تقاعدت من الخدمات الطبية الملكية، والدكتورة صفاء التي عملت رئيسة لقسم الجودة في وزارة الصحة. وقد رأوا فيه دومًا «العكازة التي يتكئون عليها، وصاحب المشورة الذي يثقون برأيه في جميع القضايا»، كما يقول عمر. 

ولا يقتصر تأثر محمد بوالده على المهنة، بل طال أيضًا أفكاره السياسية، والتي دفعته إلى الترشح مرتين للانتخابات النيابية في الزرقاء دون أن يحالفه الحظ بالفوز. «عجبتني طروحاته، فأعطيته صوتي»، يقول عويس الذي جمعته بمحمد أفكار قومية وهموم وطنية، وتابعا معًا الواقع الانتخابي في الزرقاء خصوصًا ما يتعلّق بالمقاعد المسيحية في مجلس النواب. 

انتقل محمد لاحقًا للاستقرار في عمان ودعم أبناءه يوسف وتامر ورُلا، فيما ظلت عيادته التي أغلقها العام الماضي، شاهدة على حسن سيرته وعلاقته مع أهالي الزرقاء. يقول عمر إن محمد ظل متابعًا للشأن السياسي ومتأثرًا به: «لم يكن منتظمًا بحزب، لكن كان الأردن همّه».

إيهاب نايف الهلسا

كان عمرو العضايلة يستعد لاستضافة صديقه إيهاب (54 عامًا) على عزومة غداء بعد أيام ليصير بينهما «عيش وملح»، بعدما ظلّ إيهاب يؤجل الدعوة، لكنه وافق أخيرًا بعد أن عرف أن الغداء سيكون بالدجاج لا باللحم، قائلًا: «هو الناس قادرة تشتري لحم هالأيام؟»، كانت تلك آخر جملة يتذكرها العضايلة من صديقه الذي اعتاد مراعاة الظروف الاقتصادية للناس، وكان أول المبادرين إلى مساعدتهم. 

أنهى إيهاب دراسته الثانوية في ميكانيكا الآليات الثقيلة، وعمل في كراج حتى اضطر إلى التوقف بسبب إصابته بالديسك. ومن خلال العمل تعرّف إلى العضايلة الذي كان يملك محلًا لقطع السيارات في منطقة مؤتة، وقد بدأت العلاقة بين زبون وصاحب محل لكنها سرعان ما تحولت إلى صداقة: «علمتني علاقتي مع إيهاب إنه المحبة والعشرة ما بتتكون من طول السنين زي ما نحن منفكر، لا العشرة ممكن تتكون بفترة قصيرة»، يقول العضايلة. مضيفًا أن إيهاب كان حريصًا على زيارته بشكل مستمر وقضاء الوقت معه في الحديث عن أنواع السيارات وحركة الطلب في السوق. يرى العضايلة أن إيهاب كان قادرًا على مصادقة أي شخص، بحكم دماثة خلقه وحسه الفكاهي وشخصيته التي تعلق في الذاكرة منذ اللقاء الأول. 

تستذكر مها، خالة إيهاب، حسه المبكر بالمسؤولية بعدما توفيت والدته وهو صغير. وتقول غيداء، ابنة عمه، إنه كان شغوفًا بالسيارات منذ طفولته التي تتذكرها من زيارات أطفال العائلة المتكررة إلى بيت الجد في قرية حمود. ورغم أنه وُلد وسكن في منطقة المرج، إلا أنه كان شديد التعلق بالقرية، يزورها برفقة أخيه أنس، ثم مع توأميه ماريا ووليام. 

ماهر عادل زريقات 

منذ عام 2014، تشارك إبراهيم الذنيبات وماهر الزريقات مستودعًا للأدوية في مديرية صحة الكرك. «كل يوم وجهنا بوجه بعض»، يقول الذنيبات الذي اعتاد أن يبدأ يومه مع ماهر بفنجان قهوة، وأحيانًا بفطور جماعي مع زملائه، ثم ينشغلان بتجهيز طلبيات الأدوية للمراكز الصحية في الكرك، أو استلام الشحنات من المستودعات الرئيسية.

وُلد ماهر (56 عامًا) في قرية الربّة بالكرك، ثم درس الصيدلة في مدينة خاركيف بأوكرانيا، وعاد إلى الأردن في التسعينيات ليستقر في القرية. وقد عمل في شركة أدوية خاصة، ثم في الصيدلية الداخلية للمستشفى الإيطالي بالكرك لمدة 13 عامًا، قبل أن ينتقل إلى مديرية الصحة في الكرك، حيث ظلّ يعمل حتى استشهاده. كان ماهر محبًا لمهنته ودقيقًا في عمله، خصوصًا في المهام المكتبية التي كان يجد بعض زملائه صعوبة في إنجازها، «ما بنلحق نسلّم الطلبية، بكون سجلها على الدفتر». يقول الذنيبات إنه لا ينسى الاحترام الذي كان يتسم به ماهر مع زملائه في شهر رمضان وقراره بالامتناع عن التدخين وتناول الشراب والطعام رغم حاجته الصحية المستمرة لشرب الماء. 

وخلال لحظات العمل المشتركة، كثيرًا ما كان الحديث يتطرق إلى حياة ماهر خارج المستودع، وخصوصًا أبناءه الذين كانوا أولويّته في الحياة. كانت الالتزامات الأسرية هي الهمّ الشاغل لأبو ينال، ولم يكن لديه كثير من الاهتمامات الشخصية خارجها: «ما كان عنده مزاج للفطبول مثلا ولا للسهرات، زلمة بسيط في حاله واللي بقلبه على لسانه»، يقول الذنيبات.

خالد ميخائيل الهلسا

«مرة رجع من القطرانة للكرك عشان مريض»، يقول خالد البرقان عن عديلِه طبيب الأسنان خالد الهلسا، مستذكرًا موقفًا لم يكن استثنائيًا في حياة أبو طارق. فخلال الزيارات العائلية، أو حتى في منتصف الليل، لم يكن الهلسا يتردد في إلغاء خططه الشخصية لتخفيف ألم أحد مرضاه، لذلك كان يتجه إلى عيادته في منطقة المرج بالكرك عند الثامنة صباحًا، وكأن هناك من يحاسبه على موعد حضوره، لكن موعد مغادرته لم يكن معروفًا، «لإنه بظل شغال شو ما كان عدد المراجعين، وعلى الطلب أحيانًا وين ما كانوا المرضى»، يقول البرقان.

درس خالد طب الأسنان في رومانيا، وعاد عام 1982 ليفتتح عيادته في الكرك، ورغم العروض الكثيرة التي تلقاها للإقامة في عمّان، حين كان عدد أطباء الأسنان أقل مما هو عليه اليوم، أصرّ على البقاء إلى جانب والده بعد وفاة والدته. ومنذ افتتاح عيادته، لم يجعل قدرة المرضى على الدفع شرطًا لعلاجهم: «معك مصاري ما معك مصاري، بدك تدفع نص حساب أو ما تدفع أصلا، ما بتروّح بدون علاج»، يقول أحد مراجعي العيادة الذي شهد مواقف كثيرة لخالد مع مرضى كانوا يقصدونه من مختلف محافظات الجنوب، مضيفًا أن لقب «طبيب الفقراء» الذي انتشر بعد وفاته لم يكن جديدًا على سيرته، بل تعبيرًا عما كان يشعر به خالد من امتنان تجاه مرضاه: «وكأنه هو بحاجتهم مش العكس». ويقول زميله طبيب الأسنان أحمد الطراونة إنه لم يكن يردّ مريضًا يتصل به حتى في أيام إجازاته.

ولم تقتصر مساعدة خالد على المرضى، بل وصلت إلى زملائه الأطباء في الكرك، حيث كان يدعمهم في اجتماعات النقابة، كما يحرص على لقاءاتهم في المقاهي والاطمئنان على ظروفهم واحتياجاتهم. يتذكر الطراونة أنه في مرات كثيرة كان يواجه نقصًا غير متوقع في مواد التخدير أو الحشوات قبل وصول الطلبيات من عمّان، لكنه كان يجد ما يحتاجه في عيادة خالد التي كانت مفتوحة للجميع دومًا وبدون حساب: «هذا الزلمة وهب نفسه للناس باختصار».

مازن القسوس

كان مقهى التمبكجي مكان اللقاء المعتاد بين عامر القسوس ونسيبه مازن القسوس. في ليالي الشتاء، كانا يختاران مقعدًا قرب المدفأة، «أنا بشرب قهوة وهو بشرب أعشاب». يقول عامر إن علاقتهما بدأت بالقرابة، ثم جمعهما النسب، وتوطدت حتى أصبحت أشبه بالأخوّة، خصوصًا أن مازن لم يكن لديه إخوة ذكور، فيما فقد عامر إخوته الثلاثة.

وُلد مازن عام 1964 في الزرقاء، ودرس في مدارس الروم والناصرية والمخلّص، قبل أن يُفجَع وهو في السابعة عشرة من عمره بوالده الذي توفي عن 47 عامًا، تاركًا مازن الابن الذكر الوحيد إلى جانب والدته وشقيقاته، فتحمّل مسؤوليات أسرية حالت دون مواصلته الدراسة بالطريقة المعتادة. وفي عام 1983 التحق بكلية الحقوق في جامعة بيروت العربية بنظام الدراسة بالمراسلة، وكان يدرس عن بُعد ويسافر عند الحاجة لأداء الامتحانات واستلام الشهادة.

يقول عامر إن إحساس مازن المبكّر بالمسؤولية تجاه أسرته دفعه إلى فتح مكتب للمحاماة في الزرقاء، وقد تولى مازن فيه قضايا متنوعة كان كثير منها ينتهي بالصلح قبل الوصول إلى المحكمة، ثم انتقل للعمل محاميًا يتولى قضايا التخمين في إحدى الشركات، قبل أن يصبح مستشارًا قانونيًا في صحيفة العرب اليوم.

بعد إغلاق الصحيفة عام 2013، انتقل مازن إلى مرج الحمام عام 2015، وركّز على أبنائه الأربعة، مع متابعة بعض المشاريع والقضايا القانونية المتفرقة. يتذكر جاره عماد التميمي كيف طلب منه يومًا تقديم استشارة قانونية لأصدقاء يواجهون مشكلة عمالية، فرفض مازن تقاضي الأتعاب، مؤكدًا أن صداقة الطفولة التي جمعته بعماد لا تسمح له بذلك.

إلى جانب المحاماة، أحب مازن الأدب والثقافة، فكان يقرأ الروايات والقصص ويحضر فعاليات رابطة الكتّاب الأردنيين متى استطاع، ويشارك أصدقاءه شذرات من نصوص يكتبها. يقول عامر إنه كان يجد وقتًا لهذه الأنشطة رغم مسؤولياته تجاه أسرته ووالدته التي ظل يعتني بها في منزله. ويصف عامر سيرة صديقه قائلًا: «مازن كان محب للحياة، لكنه تحمل المسؤولية من بدري وظل متحملها لحد ما مات».

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

No comment yet, add your voice below!


Add a Comment